تواجه مصر ضغوطًا متزايدة على قطاع الطاقة في ظل ارتفاع فاتورة استيراد الوقود إلى قرابة مثلي قيمتها، واستحواذ خدمة الدين على نحو ثلثي إجمالي استخدامات الموازنة العامة، فيما تهدد عودة هجمات الحوثيين بتقويض تعافي حركة الملاحة في قناة السويس. وفي المقابل، أصبحت إمدادات الغاز الإسرائيلي عنصرًا مهمًا في أمن الطاقة المصري، ما يجعل قدرة القاهرة على الصمود الاقتصادي مصدر قلق مباشر لإسرائيل، لا سيما على جبهتها الجنوبية، وفق تحليل للكاتب أمين أيوب.


وأشار أمين أيوب في تحليل نشره موقع يديعوت أحرونوت إلى أن إصرار إيران على ربط إعادة فتح مضيق هرمز بتنفيذ الولايات المتحدة سبعة شروط أعلنتها طهران، الثلاثاء، عزز حالة الغموض الشديد في أسواق الطاقة العالمية، بالتزامن مع إجراء الانتخابات النصفية الأمريكية.

 

ورغم عدم توقف حركة الشحن بالكامل، فإن عرقلة الملاحة في ممر مائي يمر عبره ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا ونحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، أبقت أسعار النفط متقلبة ودفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أزمة 2022-2023. وتمثل هذه التطورات تهديدًا بالغًا لمصر المثقلة بالديون، فيما تتجاوز تداعياتها بالنسبة لإسرائيل حدود ارتفاع أسعار الوقود.

 



ارتفاع فاتورة الطاقة يفاقم الضغوط الاقتصادية على مصر


وأكدت بيانات وكالة الطاقة الدولية حجم تعرض القاهرة لمخاطر أزمة الطاقة، إذ أظهر تقرير سوق الغاز للربع الثاني من 2026 أن فاتورة واردات الطاقة الشهرية المصرية ارتفعت إلى أكثر من الضعف منذ اندلاع الأعمال العدائية الإقليمية، فيما اقتربت فاتورة استيراد الغاز الطبيعي من ثلاثة أمثالها، نتيجة اللجوء إلى شراء شحنات طارئة من الغاز الطبيعي المسال لتعويض تراجع الإنتاج المحلي وانخفاض تدفقات الغاز عبر خطوط الأنابيب.


وفي تعليق منفصل نشرته الوكالة في 3 نوفمبر، أشارت إلى أن تكاليف واردات الوقود المصرية اقتربت من الضعف خلال الفترة بين يناير ويونيو 2026، ما يعني أن كل شحنة تُشترى من الأسواق الفورية تستنزف مزيدًا من العملة الأجنبية من خزينة تعاني بالفعل ضغوطًا مالية متزايدة.


وتفسر هذه الأوضاع حالة القلق المحيطة بإمدادات الكهرباء المحلية. ففي 22 أكتوبر، عرض رئيس الوزراء مصطفى مدبولي سيناريو افتراضيًا بالغ السوء، يتضمن احتمال انقطاع الكهرباء لمدة تتراوح بين 6 و8 ساعات يوميًا، إذا عجزت الحكومة عن توفير التمويل اللازم لشراء المنتجات البترولية بالأسعار المرتفعة، في حدود المخصصات الحالية بالموازنة.


وسارع مجلس الوزراء إلى توضيح أن التصريحات أُخرجت من سياقها، مؤكدًا عدم صدور أي قرار بفرض تخفيف الأحمال أو تطبيق انقطاعات الكهرباء. غير أن الحكومة سبق أن فرضت مواعيد إغلاق مبكرة للمحال التجارية، وخفضت إضاءة الشوارع، في إطار إجراءات ترشيد الاستهلاك، وهي خطوات تعكس ضغوطًا هيكلية ملموسة على قطاع الطاقة، دون أن تعني بالضرورة اقتراب انهياره.


وترجع هشاشة الوضع الاقتصادي المصري، بحسب التحليل، إلى اختلالات تراكمت على مدار عقد من السياسات الاقتصادية المعتمدة على الاقتراض لتمويل المشروعات الضخمة كثيفة رأس المال، منذ تولي رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي السلطة في 2014، ومن بينها العاصمة الإدارية الجديدة في الصحراء.


وفي الوقت نفسه، توسع نفوذ الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية داخل قطاعات اقتصادية رئيسية. وأوضح صندوق النقد الدولي أن الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية تتمتع بمزايا مؤسسية خاصة، تشمل الإعفاءات الضريبية، والحصول على أراضٍ مملوكة للدولة في مواقع متميزة، وإجراءات ترخيص تفضيلية، والاستفادة من العمالة منخفضة التكلفة.

 

ويرى التحليل أن هذا الحضور الواسع يحد من فرص الاستثمار الخاص ونمو الإنتاجية، في وقت تحتاج فيه مصر بصورة ملحة إلى قطاع خاص أكثر قدرة على المنافسة وزيادة الصادرات.


وتكشف البيانات الاقتصادية الرسمية حجم المأزق المالي؛ إذ ارتفع الدين الخارجي من 46.1 مليار دولار في منتصف 2014 إلى نحو 166.75 مليار دولار خلال الربع الثاني من 2026.


وفي موازنة العام المالي 2026/2027، خصصت الحكومة 2.808 تريليون جنيه لسداد أقساط الديون و2.420 تريليون جنيه لسداد فوائدها، لتستحوذ الالتزامات مجتمعة على نحو 63.9% من إجمالي استخدامات الموازنة، فيما تمثل فوائد الدين وحدها قرابة 46.6% من إجمالي المصروفات الحكومية العادية.


وأظهرت دراسة للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن مدفوعات فوائد الدين، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، تتجاوز إجمالي مخصصات الموازنة الموجهة إلى الصحة العامة والتعليم وأجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة والدعم الأساسي للغذاء والطاقة.

وانعكست هذه الضغوط على الأوضاع المعيشية؛ إذ تراجع سعر صرف الجنيه المصري من 7.14 جنيهات مقابل الدولار في منتصف 2014 إلى نحو 55.3 جنيهًا للدولار في 3 نوفمبر 2026.


وسجل معدل التضخم السنوي في المدن 13.9% خلال سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، بينما ارتفع التضخم الشهري بنسبة 1.3%، بما يعكس استمرار الضغوط على أسعار الغذاء والسلع الأساسية.


ووفقًا لأحدث بيانات البنك الدولي المشار إليها في التحليل، يبلغ معدل الفقر الوطني الأساسي 33.5% استنادًا إلى بيانات 2021/2022، مع تقديرات تشير إلى ارتفاعه بنحو خمس نقاط مئوية حتى 2024. ورغم وصول صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.35 مليار دولار في سبتمبر، فإن أعباء سداد الديون تحد من قدرة الدولة على المناورة المالية.

 


 الغاز الإسرائيلي.. شريان حيوي لأمن الطاقة المصري


بالنسبة لإسرائيل، لا يمثل توازن الطاقة في مصر مجرد ملف اقتصادي، بل يرتبط بصورة مباشرة بحسابات الأمن القومي. فعلى الرغم من محاولات القاهرة تعزيز الإنتاج المحلي، ومن بينها طرح 14 منطقة امتياز للاستكشاف ضمن جولة التراخيص لعام 2026، إلى جانب أعمال الاستكشاف التي تنفذها شركات كبرى مثل شيفرون، فإن تراجع إنتاج الحقول المحلية أوجد عجزًا مستمرًا في إمدادات الغاز.


ولتشغيل محطات توليد الكهرباء وتلبية احتياجات المنشآت الصناعية، تعتمد القاهرة على مزيج من الإنتاج المحلي وواردات الغاز الطبيعي المسال وإمدادات الغاز المنقولة عبر خطوط الأنابيب من حقلي تمار وليفياثان الإسرائيليين.


وأشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن إمدادات الغاز القادمة عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل تشكل عادة نحو 45% من إجمالي واردات مصر من الغاز، فيما قدرت بيانات القطاع خلال سبتمبر أن الغاز الإسرائيلي يمثل نحو 14.5% من إجمالي الاستهلاك المحلي اليومي.


ولا تعكس هذه التدفقات، وفق التحليل، نفوذًا إسرائيليًا أحادي الجانب بقدر ما تكشف عن اعتماد استراتيجي متبادل بين البلدين.


وظهرت حدود قدرة إسرائيل على استخدام إمدادات الغاز كورقة ضغط في مارس 2026، عندما تراجعت صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر إلى مستويات قاربت الصفر، عقب تعليق الإنتاج في حقلي ليفياثان وكاريش في 28 فبراير، خلال المواجهات العسكرية، بينما ظل حقل تمار يعمل.


واستعادت الصادرات مستوياتها الطبيعية السابقة للأزمة بعد استئناف الإنتاج في حقل ليفياثان في 2 أبريل. وخلال فترة التوقف، اضطرت القاهرة إلى التعاقد على شحنات طارئة مرتفعة التكلفة من الغاز الطبيعي المسال، ما زاد الضغوط على المالية العامة.


وتكشف هذه الواقعة عن طبيعة الاعتماد المتبادل؛ فمصر تحتاج إلى إمدادات إسرائيلية موثوقة من الغاز، بينما تحتاج إسرائيل إلى جار مستقر، وسوق تصدير عاملة، وبنية تحتية للطاقة آمنة، تظل بدورها معرضة لتداعيات الصراعات الإقليمية. ومن ثم، تخدم تدفقات الطاقة مصالح العاصمتين معًا.

 


تهديدات الحوثيين لقناة السويس ومخاوف إسرائيل من اضطراب مصر


تتفاقم التحديات المصرية بفعل أزمتين بحريتين منفصلتين، إذ يؤدي التوتر في مضيق هرمز إلى رفع أسعار الطاقة، بينما يهدد انعدام الأمن في محيط باب المندب حركة الملاحة في قناة السويس، التي تمثل أحد المصادر الحيوية للعملة الأجنبية في مصر.


وسبق أن تسببت هجمات الحوثيين في تراجع حركة العبور بالقناة بصورة حادة، لكن الممر الملاحي بدأ يتعافى بحلول أواخر الصيف. وسجلت القناة خلال أغسطس 2026 عبور 1,358 سفينة، بزيادة 27% على أساس سنوي، وحققت إيرادات بلغت 567.1 مليون دولار خلال الشهر.


غير أن تجدد التصعيد قد يقوض هذا التعافي. ففي 26 أكتوبر، وافق البرلمان المصري على اتخاذ إجراءات دفاعية لمساندة السعودية. كما اتهمت الحكومة اليمنية، في 3 نوفمبر، 21 خبيرًا أجنبيًا، بينهم 14 متخصصًا من الحرس الثوري الإيراني وسبعة من حزب الله، بتوجيه هجمات الحوثيين، بما يهدد ممر التجارة البحرية الرئيسي لمصر.


وتتقاطع الضغوط الاقتصادية مع مرحلة انتقال سياسي حساسة في الداخل المصري. ففي 17 أكتوبر، أعلن السيسي أن ولايته الرئاسية ستنتهي في 2030، مضيفًا أن ذلك سيحدث «إذا كنت لا أزال على قيد الحياة»، وتعهد بعدم تعديل الدستور مجددًا لتمديد فترة حكمه.


وأشار أحمد أبو دحّوح، الباحث في تشاتام هاوس، إلى أن التزام السيسي بمغادرة السلطة بصورة سلمية، إذا تحقق، سيجعله أول رئيس مصري يغادر منصبه دون أن يموت في السلطة أو يُسجن أو يواجه انتفاضة شعبية.
 

وبالتوازي مع تعهده بشأن مغادرة الحكم، اقترح السيسي إطلاق برنامج لتأهيل القيادات يستمر 30 شهرًا، وتستضيفه الأكاديمية العسكرية المصرية، ويستهدف الحاصلين على الدكتوراه ممن تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، مع إعفاء من أمضوا ست سنوات في العمل الحكومي.
 

ويرى أبو دحّوح أن هذا الترتيب قد يعزز استمرار الوصاية العسكرية على الحياة السياسية، في إطار المادة 200 من الدستور.
 

وفيما يتعلق بإسرائيل، يرى التحليل أن صناع القرار الإسرائيليين مطالبون بالنظر إلى العلاقات مع القاهرة من منظور استراتيجي يأخذ في الاعتبار تعقيدات المشهد الأمني والسياسي. فقد ظل التنسيق الأمني على الحدود عنصرًا حيويًا، كما خاضت القوات المصرية حملات واسعة ضد الجماعات الجهادية في شمال سيناء.
 

لكن شبكات التهريب العابرة للحدود إلى قطاع غزة عملت تاريخيًا لسنوات عبر عشائر محلية وحركة حماس، مع وجود تواطؤ أمني محلي، وأحيانًا رسمي، في محيط رفح، وفقًا لأبحاث معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.
 

كما كشفت دراسة أجراها معهد سياسات الشعب اليهودي عام 2025، وشملت نحو 4 آلاف مقال رأي في صحيفتي الأهرام والجمهورية الخاضعتين لسيطرة الدولة، أن 87% من المقالات التي تناولت إسرائيل اتخذت موقفًا سلبيًا، بما يعكس استمرار مناخ إعلامي معادٍ لإسرائيل، رغم التنسيق القائم بين البلدين.
 

ويخلص التحليل إلى أن إسرائيل لا ينبغي أن تنظر إلى الضغوط الاقتصادية المصرية باعتبارها فرصة لتحقيق مكاسب استراتيجية، أو تفترض أن ضعف القاهرة الداخلي سيؤدي تلقائيًا إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية.
 

فأي اضطراب داخلي في مصر قد يهدد أمن الحدود، ويعقد جهود مكافحة التهريب، ويزيد الضغوط على معاهدة السلام الموقعة عام 1979، التي تشكل ركيزة أساسية للدفاع الإسرائيلي على الجبهة الجنوبية.
 

ورغم أن صادرات الغاز الإسرائيلية لا تستطيع شراء التقارب السياسي، فإنها توفر ركيزة مهمة للاستقرار. ولذلك، ينبغي لصناع القرار في إسرائيل التعامل مع قدرة مصر على الصمود الاقتصادي باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الإسرائيلي، من خلال الحفاظ على قنوات الاتصال العسكري، ومواصلة المطالبة بتشديد الرقابة الأمنية في سيناء، وتأمين منصات إنتاج الغاز البحرية.
 

وفي المقابل، يتعين على إسرائيل إدراك حدود نفوذها؛ إذ تمتلك القاهرة بدائل لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من موردين آخرين، كما لا تستطيع إسرائيل عزل منشآتها عن تداعيات الحروب الإقليمية.
 

ويؤكد التحليل أن أزمتي مضيق هرمز وباب المندب ليستا أزمة واحدة، كما أن مصر لا تواجه انهيارًا وشيكًا، لكنهما تكشفان عن مواطن ضعف مختلفة؛ فالأولى ترفع تكلفة توفير الطاقة وتشغيل محطات الكهرباء، بينما تهدد الثانية الإيرادات التي تحتاج إليها الدولة لسداد التزاماتها.
 

ومع اقتراب مرحلة انتقال السلطة التي حددها السيسي في 2030، يرى الكاتب أن المصالح الأمنية الإسرائيلية تتطلب وجود دولة مصرية قادرة على مواجهة هذه الضغوط والحفاظ على استقرارها.

 

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/s1ef8goafg